صديق الحسيني القنوجي البخاري
31
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ نصب على المصدر المؤكد أي يوصيكم بذلك وصية كائنة من اللّه ، قال ابن عطية : ويصح أن يعمل فيها مضار ، والمعنى أن يقع الضرر بها أو بسببها فأوقع عليها تجوزا فيكون وصية على هذا مفعولا به لأن اسم الفاعل قد اعتمد على ذي الحال أو لكونه منفيا معنى . وفي كون هذه الوصية من اللّه سبحانه دليل على أنه قد وصى عباده بهذه التفاصيل المذكورة في الفرائض ، وإن كل وصية من عباده يخالفها فهي مسبوقة بوصية اللّه وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض أو المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ قال الخطابي : الحليم ذو الصفح والأناة الذي لا يستفزه غضب ، ولا يستخفه جهل جاهل . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 13 إلى 14 ] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 13 ) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ ( 14 ) والإشارة بقوله : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إلى الأحكام المتقدمة من مال اليتامى والوصايا والأنكحة والمواريث ، وسماها حدودا لكونها لا تجوز مجاوزتها ولا يحل تعديها . وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في قسمة المواريث وغيرها من الأحكام الشرعية كما يفيده عموم اللفظ يُدْخِلْهُ بالياء والنون جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الذي لا فوز وراءه وهكذا قوله وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ بالوجهين ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ أي وله بعد إدخاله النار عذاب ذو إهانة لا يعرف كنهه . روعي في الضمائر في الآيتين وفي خالدا لفظ ( من ) وفي خالدين معناها ، قال الضحاك : والمعصية هنا الشرك . وقال ابن عباس في معنى الآية : ومن لم يرض بقسمة اللّه ويتعد ما حده ، وقال الكلبي : يكفر بقسمة المواريث فإذا كفر كان حكمه حكم الكفار في الخلود في النار إذا لم يتب قبل موته وإذا مات وهو مصر على ذلك كان مخلدا في النار ، فلا دليل في الآية للمعتزلة على أن العصاة والفساق من أهل الإيمان يخلدون في النار . وقد ورد في الترغيب في تعلم الفرائض وتعليمها ما أخرجه الحاكم والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تعلموا الفرائض وعلموها الناس وإني امرؤ مقبوض ، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها » « 1 » .
--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ، كتاب الفرائض 4 / 333 .